عبد القادر الجيلاني
113
سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار
فعلامة الابتلاء على وجه المقابلة والعقوبات ، عدم الصبر عند وجودها والجزع والشكوى إلى الخليقة والبريات . وعلامة الابتلاء تكفيرا وتمحيصا للخطيات وجود الصبر الجميل من غير شكوى وإظهار الجزع إلى الأصدقاء والجيران والتضجر بأداء الأوامر والطاعات . وعلامة الابتلاء ارتفاع وجود الرضا والموافق ، وطمأنينة النفس والسكون بفعل إله الأرض والسماوات ، والفناء فيها إلى حين الانكشاف بمرور الأيام والساعات . المقالة السادسة والأربعون في قوله صلى اللّه عليه وسلم عن الحديث القدسي « من شغله ذكري . . . » « 1 » إلى آخره قال رضي اللّه عنه وأرضاه : في قول النبي صلى اللّه عليه وسلم عن ربي عزّ وجلّ : « من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين » وذلك أن المؤمن إذا أراد اللّه عزّ وجلّ اصطفاءه واجتباءه ، سلك به الأحوال وامتحنه بأنواع المحن والبلايا فيفقره بعد الغنى ويضطره إلى مسألة الخلق في الرزق عند سد جهاته عليه ، ثم يصونه عن مسألتهم ويضطره إلى الكسب ويسهله عليه وييسره له فيأكل بالكسب الذي هو السنة ، ثم يعسره عليه ويلهمه السؤال للخلق ، ويأمره به بأمر باطن يعلمه ويعرفه ويجعل عبادته فيه ومعصيته في تركه ، ليزول بذلك هواه وتنكسي نفسه وهي حالة الرياضة فيكون سؤاله على وجه الإجبار لا على وجه الشرك بالجبار ، ثم يصونه عن ذلك ويأمره بالفرض منهم أمرا جزما لا يمكنه تركه كالسؤال من قبل ثم ينقله من ذلك ويقطعه عن الخلق ومعاملتهم ، فيجعل رزقه في السؤال له عزّ وجلّ فيسأله جميع ما يحتاج إليه فيعطيه عزّ وجلّ ولا يقطعه إن سكت وأعرض عن السؤال ، ثم ينقله من السؤال باللسان إلى السؤال بالقلب فيسأله بقلبه جميع ما يحتاج فيعطيه حتى أنه لو سأله بلسانه لم يعطه أو سأل الخلق لم يعطوه ، يغنيه عنه وعن السؤال جملة ظاهرا وباطنا . فيناديه بجميع ما يصلحه ويقوم به أوده من المأكول والمشروب والملبوس وجميع مصالح البشر من غير أن يكون هو فيها أو تخطر بباله . فيتولاه عزّ وجلّ وهو
--> ( 1 ) رواه الترمذي ( 5 / 184 ) ، والدارمي ( 2 / 238 ) ، والقضاعي في الشهاب ( 1 / 340 ) ، ( 2 / 326 ) .